الكياسة في فنون السياسة
مقالات في الفنون العملية للسياسة
نحن غارقون في الكلام عن السياسة… وعاجزون عن فعلها.
تأمّل الفضاء السياسي العربي: برامجُ تتكلم، ومدوّناتٌ صوتية ومرئية تحلّل، ومحتوى لا ينقطع عن تفسير ما جرى وما يجري… ثم لا يخرج المستهلك منه بطائل. وحين نملّ التحليل، نهرب إلى التنظير: جدلٌ لا ينتهي حول أطروحةٍ لوائل حلّاق أو عبد الوهاب المسيري، وقيلٌ وقال في الأوساط الثقافية حتى صار لدينا ما أسمّيه “تخمة التحليل والتفلسف”. لا شك أن هذه المجالات، وإن كانت مهمٌّة في ذاتها، لكنّ الإفراط في الاشتغال بها يضر ولا ينفع.
وأنا أعرف هذا الفرق جيدًا.
درستُ السياسة في الجامعة الأمريكية، ثم في معهد الدراسات السياسية بباريس (Sciences Po)، حيث درست طرفُا من علوم الاستخبارات والصناعات الدفاعية والاقتصاد السياسي الدولي. ثم درست الدكتوراة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وهناك ترسّخت قناعتي. فثمّة فرقٌ هائل بين من يتكلم عن السياسة من خارجها، ومن يمارسها من داخلها — بأدواتها العملية: الاستراتيجية، وإدارة الدولة، والاقتصاد، وفنّ التفاوض، وسائر أدوات خوض الصراع.
هذا ما أسمّيه “علوم العمل السياسي”، لا التحليل الذي يراقب من بعيد، ولا الفلسفة التي تناقش ما ينبغي أن يكون — بل المهارة التي تصنع الأثر.
ولهذا أنشأتُ «كياسة».
مكانٌ للنشر الحرّ في فنون العمل السياسي، بعيدًا عن التنظير والتفلسف اللانهائي. هنا نتشارك القصص والحكايات، ونتناقش في الشخصيات والحركات والعلوم والأعمال — في الماضي والحاضر والمستقبل — لكن من زاوية واحدة: مَن يريد أن يكتسب مَلَكة فنّ السياسة، وهي من أشرف ما اكتسبه إنسان؛ فقد كانت عمل خير الخلق من الأنبياء، ثم الخلفاء والمصلحين.
نحن جيلٌ يعيش لحظة تحوّلٍ هائل. ولا بدّ أن يأتي يومٌ نقف فيه أمام لحظةٍ يتحتّم فيها الفعل السياسي — لحظةٌ لن يُجدي فيها التحليل، ولن يُغني عنها التفلسف. ومن لم يكن قد أعدّ عُدّته من المعرفة والمهارة، أصابه ما أصابنا في «الربيع»: لحظةٌ فارقة جاءت، فوجدتنا نُحسن الكلام ولا نُحسن الفعل.
والأوان أوانُ من يحبّون العمل والإنجاز والتغيير الفعّال — لا من يكتفون بالفُرجة والتعليق.
فإن كنت منهم، فهذا بيتك وديوانك.
— تحبّ الكتابة وأنت من أهلها؟ أهلًا بك كاتبًا.
— سئمتَ تخمة التحليل والتفلسف؟ أهلًا بك قارئًا ومشاركًا.
اشترك الآن، وانضمّ إلى المجتمع، وادْعُ إليه كلّ من يَعنيه الأمر.


